فصل: تفسير الآية رقم (37):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (33):

{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33)}
{أَفَرَأَيْتَ الذي تولى} أي عن اتباع الحق والثبات عليه.

.تفسير الآية رقم (34):

{وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34)}
{وأعطى قَلِيلًا} أي شيئًا قليلًا، أو إعطاءًا قليلًا {وأكدى} أي قطع العطاء من قولهم حفر فأكدى إذا بلغ إلى كديه أي صلابة في الأرض فلم يمكنه الحفر، قال مجاهد. وابن زيد: نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه فقرب من الإسلام وطمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه عاتبه رجل من المشركين، وقال له: أتترك ملة آبائك؟ا ارجع إلى دينك وأثبت عليه وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هم به من الإسلام وصل ضلالًا بعيدًا، وأعطى بعض المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، وقال الضحاك: هو النضر بن الحرث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حتى ارتد عن دينه وضمن له أن يحمل عنه مأثم رجوعه، وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي كان يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، وقال محمد بن كعب: في أبي جهل قال: والله ما يأمر محمد إلا كارم الأخلاق، والأول هو الأشهر الأنسب لما بعده من قوله سبحانه:

.تفسير الآية رقم (35):

{أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35)}
{عِلْمُ الغيب فَهُوَ} إلى آخره، وأما ما في الكشاف من أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كان يعطي ماله في الخير فقال له عبد الله بن سعيد بن أبي سرح: يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان: إن لي ذنوبًا وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء فباطل كما قال ابن عطية ولا أصل له، وعثمان رضي الله تعالى عنه منزه عن مثل ذلك، و{أَفَرَأَيْتَ} [النجم: 33] هنا على ما في البحر عنى أخبرني ومفعولها الأول الموصول، والثاني: الجملة الاستفهامية، والفاء في قوله تعالى: {فَهُوَ يرى} للتسبب عما قبله أي أعنده علم بالأمور الغيبية فهو بسبب ذلك يعلم أن صاحبه يتحمل عنه يوم القيامة ما يخافه، وقيل: يرى أن ما سمعه من القرآن باطل، وقال الكلبي: المعنى أأنزل عليه قرآن فرأى أن ما صنعه حقه، وأيًا مّا كان فيرى من الرؤية القلبية، وجوز أن تكون من الرؤية البصرية أي فهو يبصر ما خفى عن غيره مما هو غيب.

.تفسير الآية رقم (36):

{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بما فِي صُحُفِ مُوسَى (36)}
{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ} أي بل ألم يخبر.
{ا فِي صُحُفِ موسى} وهي التوراة.

.تفسير الآية رقم (37):

{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)}
{وإبراهيم} وا في صحف إبراهيم التي نزلت عليه {الذى وفى} أي وفر وأتم ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد عليه الله تعالى، وقال ابن عباس: وفي بسهام الإسلام كلها ولم يوفها أحد غيره وهي ثلاثون سهمًا منها عشرة في براءة {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم} الآيات، وعشرة في [الأحزاب: 35] {إِنَّ المسلمين والمسلمات} الآيات، وست في قد أفلح المؤمنون الآيات التي في أولها، وأربع في سأل سائل {والذين يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ الدين} [المعارج: 26] الآيات، وفي حديث ضعيف عن أبي أمامة يرفعه، «وفيّ بأربع ركعات كان يصليهن في كل يوم» وفي رواية «يصليهن أول النهار» وأخرج أحمد من حديث معاذ بن أنس مرفوعًا أيضًا «ألا أخبركم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى؟ أنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} الآية» وقال عكرمة: {وَفِى} بتبليغ هذه العشرة {ألا تزر} [النجم: 38] إلى آخره {وَقِيلَ وَقِيلَ} والأولى العموم وهو مروي عن الحسن قال: ما أمره الله تعالى بشيء إلا وفى به وتخصيصه عليه السلام بهذا الوصف لاحتماله ما لا يحتمله غيره، وفي قصة الذبح ما فيه كفاية وخص هذان النبيان عليهما السلام بالذكر قيل: لأنه فيما بين نوح. وإبراهيم كانوا يأخذون الرجل بابنه وبأبيه وعمه وخاله، والزوج بامرأته، والعبد بسيده فأول من خالفهم إبراهيم وقرر ذلك موسى ولم يأت قبله مقرر مثله عليه السلام، وتقديمه لما أن صحفه أشهر عندهم وأكثر، وقرأ أبو أمامة الباهلي. وسعيد بن جبير. وأبو مالك الغفاري. وابن السميقع. وزيد بن علي {وفى} بتخفيف الفاء.

.تفسير الآية رقم (38):

{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)}
{أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى} أي أنه لا تحمل نفس من شأنها الحمل حمل نفس أخرى على أن {ءانٍ} هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف، والجملة المنفية خبرها ومحل الجملة الجر على أنها بدل مما {في صحف موسى} [النجم: 36]، أو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والاستئناف بياني كأنه قيل: ما في صحفهما؟ فقيل: هو {أَن لا تَزِرُ} إلخ، والمعنى أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ليتخلص الثاني عن عقابه، ولا يقدح في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فإن ذلك وزر الإضلال الذي هو وزره لا وزر غيره، وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (39):

{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)}
{وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى} بيان لعدم إثابة الإنسان بعمل غير إثر بيان عدم مؤاخذته بذنب غيره {وَأَنْ} كأختها السابقة، و{مَا} مصدرية وجوز كونها موصولة أي ليس له إلا سعيه، أو إلا الذي سعى به وفعله، واستشكل بأنه وردت أخبار صحيحة بنفع الصدقة عن الميت، منها ما أخرجه مسلم. والبخاري. وأبو داود. والنسائي عن عائشة «أن رجلًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» وكذا بنفع الحج.
أخرج البخاري. ومسلم. والنسائي عن ابن عباس قال: «أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أختي نذرت لأن تحج وأنها ماتت فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم قال: فحق الله أحق بالقضاء» وأجيب بأن الغير لما نوى ذلك الفعل له صار نزلة الوكيل عنه القائم مقامه شرعًا فكأنه بسعيه، وهذا لا يتأتى إلا بطريق عموم المجاز، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يجوزه، وأجيب أيضًا بأن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيًا على سعي نفسه من الايمان فكأنه سعيه، ودل على بنائه على ذلك ما أخرجه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشامًا ابنه نحر حصته خمسين وأن عمرًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «أما أبوك فلو كان أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك» وأجيب بهذا عما قيل: إن تضعيف الثواب الوارد في الآيات ينافي أيضًا القصر على سعيه وحده، وأنت تعلم ما في الجواب من النظر، وقال بعض أجلة المحققين إنه ورد في الكتاب والسنة ما هو قطعي في حصول الانتفاع بعمل الغير وهو ينافي ظاهر الآية فتقيد بما لا يهبه العامل، وسأل والي خراسان عبد الله بن طاهر الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله تعالى: {والله يضاعف لِمَن يَشَاء} [البقرة: 261] فقال: ليس له بالعدل إلا ما سعى وله بالفضل ما شاء الله تعالى فقبل عبد الله رأس الحسين، وقال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم. وموسى عليهما السلام، وأما هده الأمة فللإنسان منها سعي غيره يدل عليه حديث سعد بن عبادة «هل لأمي إذا تطوعت عنها؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم» وقال الربيع: الإنسان هنا الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره، وعن ابن عباس أن الآية منسوخة بقوله تعالى: {والذين ءامَنُواْ واتبعتهم} [الطور: 12] وقد أخرج عنه ما يشعر به أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ، وابن جرير. وابن المنذر. وابن مردويه، وتعقب أبو حيان رواية النسخ بأنها لا تصح لأن الآية خبر لم تتضمن تكليفًا ولا نسخ في الأخبار. وما يتوهم جوابًا من أنه تعالى أخبر في شريعة موسى. وإبراهيم عليهما السلام أن لا يجعل الثواب لغير العامل ثم جعله لمن بعدهم من أهل شريعتنا مرجعه إلى تقييد الأخبار لا إلى النسخ إذ حقيقته أن يراد المعنى، ثم من بعد ذلك ترتفع إرادته، وهذا تخصيص الإرادة بالنسبة إلى أهل الشرائع فافهمه، وقيل: اللام عنى على أي ليس على الإنسان غير سعيه، وهو بعيد من ظاهرها ومن سياق الآية أيضًا فإنها وعظ للذي تولى وأعطى قليلًا وأكدى، والذي أميل إليه كلام الحسين، ونحوه كلام ابن عطية قال: والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو اللام من قوله سبحانه: {أَلِيمٌ كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ للإنسان} فإذا حققت الشيء الذي حق الإنسان أن يقول فيه لي كذا لم تجده إلا سعيه وما يكون من رحمة بشفاعة، أو رعاية أب صالح، أو ابن صالح، أو تضعيف حسنات، أو نحو ذلك فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا وكذا إلا على تجوّز، وإلحاق بما هو حقيقة انتهى.
ويعلم من مجموع ما تقدم أن استدلال المعتزلة بالآية على أن العبد إذا جعل ثواب عمله أي عمل كان لغيره لا يجعل ويلغو جعله غير تام؛ وكذا استدلال الإمام الشافعي بها على أن ثواب القراءة لا تلحق الأموات وهو مذهب الإمام مالك بل قال الإمام ابن الهمام: إن مالكًا. والشافعي لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة بل غيرها كالصدقة والحج، وفي «الأذكار» للنووي عليه الرحمة المشهور من مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وجماعة أنها لا تصل، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء ومن أصحاب الشافعي إلى أنها تصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والظاهر أنه إذا قال ذلك ونحوه كوهبت ثواب ما قرأته لفلان بقلبه كفى، وعن بعضهم اشتراط نية النيابة أول القراءة وفي القلب منه شيء، ثم الظاهر أن ذلك إذا لم تكن القراءة بأجرة أما إذا كانت بها كما يفعله أكثر الناس اليوم فإنهم يعطون حفظة القرآن أجرة ليقرءوا لموتاهم فيقرءون لتلك الأجرة فلا يصل ثوابها إذ لا ثواب لها ليصل لحرمة أخذ الأجرة على قراءة القرآن وإن لم يحرم على تعليمه كما حققه خاتمة الفقهاء المحققين الشيخ محمد الأمين بن عابدين الدمشقي رحمه الله تعالى، وفي الهداية من كتاب الحج عن الغير إطلاق صحة جعل الإنسان عمله لغيره ولو صلاة وصومًا عند أهل السنة والجماعة، وفيه ما علمت ما مرّ آنفًا.
وقال الخفاجي: هو محتاج إلى التحرير وتحريره أن محل الخلاف العبادة البدنية هل تقبل النيابة فسقط عمن لزمته بفعل غيره سواء كان بإذنه أم لا بعده حياته أم لا فهذا وقع في الحج كما ورد في الأحاديث الصحيحة، أم الصوم فلا، وما ورد في حديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وكذا غيره من العبادات فقال الطحاوس: إنه كان في صدر الإسلام ثم نسخ وليس الكلام في الفدية وإطعام الطعام فإنه بدل وكذا إهداء الثواب سواء كان بعينه أو مثله فإنه دعاء وقبوله بفضله عز وجل كالصدقة عن الغير فاعرفه انتهى فلا تغفل.

.تفسير الآية رقم (40):

{وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)}
{وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى} أن يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه من أريته الشيء، وفي البحر يراه حاضرو القيامة ويطلعون عليه تشريفًا للمحسن وتوبيخًا للمسيء.

.تفسير الآية رقم (41):

{ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)}
{ثُمَّ} أي يجري الإنسان سعيه، يقال: جزاه الله عز وجل بعمله وجزاه على عمله وجزاه عمله بحذف الجار وإيصال الفعل، وقوله تعالى: {يُجْزَاهُ الجزاء الاوفى} مصدر مبين للنوع وإذا جاز وصف المجزى به بالأوفى جاز وصف الحدث عن الجزاء لملابسته له، وجوز كونه مفعولًا به عنى المجزى به وحينئذ يكون الفعل في حكم المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل. ولا بأس لأن الثاني بالحدث والإيصال لا التوسع فيجيء فيه الخلاف، وبعضهم يجعل الجزاء منصوبًا بنزع الخافض، وجوز أن يكون الضمير المنصوب في {يُجْزَاهُ} للجزاء لا للسعي، و{الجزاء الاوفى} عليه عطف بيان، أو بدل كما في قوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ} [الأنبياء: 3] وتعقبه أبو حيان بأن فيه إبدال الظاهر من الضمير وهي مسألة خلافية والصحيح المنع.